حسن الأمين
197
مستدركات أعيان الشيعة
طبع بصورة منقحة لأول مرة رسالة « الأصول الثلاثة » التي وضعها ملا صدرا بالفارسية ، والتي كتبت على الأكثر للرد على القشريين والناظرين إلى الظواهر ( 1 ) كذلك طبع السيد دانش بجوه رسالة لم تكن قد طبعت بعد ، وهي رسالة موضوعة للرد على بعض الغلاة من المتصوفة ( 2 ) ، وقد نشرت كلية الآداب بأصفهان ترجمتين لا مجال هنا لذكرهما ( 3 ) ولقد ساهم فرع الدراسات الإيرانية من مؤسستنا الفرنسية الإيرانية ( فرانكو ايرانين ) في هذه النهضة لطبع آثار ملا صدرا بطبع « كتاب المشاعر » طبعة دقيقة ، والواقع ان نشر هذا الكتاب هو تكملة للمساعي التي يقوم بها من جهة أخرى قسم العلوم الدينية في مدرسة الأبحاث العليا بجامعة السوربون ، حيث أدخلت في برامج منبر « الدراسات الإسلامية » خلال السنوات الأربع الماضية شرح آثار صدر الدين الشيرازي ، وافتخر بأنني أعاود إلقاء هذه الدروس مرة أخرى في عدة جلسات خلال فصل الخريف من كل سنة في كلية الآداب بطهران ( 4 ) من مجموع هذه الفعاليات تأتي نتيجة تؤكدها المداولات وتبادل الآراء المتعددة ، هي ان انبعاثا في الحكمة الإلهية الإسلامية على شرف التكون ، انبعاثا ينطلق من آثار حكيم كان هو نفسه مجددا حقيقيا . سيرة ملا صدرا ولد صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي - الذي يعرف غالبا بلقبه المختص به « ملا صدرا » أو « صدر المتألهين » - في شيراز . أما تاريخ ولادته فلم يكن متحددا حتى فترة متأخرة ، حين ظهرت في حاشية نسخة كتبها ملا صدرا تعليقا على موضوع وارد في المتن وفيها يقول : « أفيض علي هذا الموضوع ساعة طلوع الشمس من يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى من سنة 1037 هجرية ، وكان لي من العمر ثمان وخمسون سنة » ( 5 ) اكتشف هذه الحاشية السيد محمد حسين الطباطبائي أثناء تصحيح متون الأشعار . وقد ذكرت هذه الحاشية ضمن مذكرة أخرى كتبها ملا صدرا على كتابه ، في النسخة التي نقلت سنة 1197 عن النسخة الأصلية المفقودة اليوم . راجع مقدمة الدكتور السيد حسين نصر لرسالة الأصول الثلاثة ، ص 2 ، الحاشية 2 . وبعملية حسابية بسيطة يتضح ان ملا صدرا ولد حوالي سنة 979 أو 980 ه ( 1572 - 1573 م ) ، وأن تاريخ ولادته هذا وتاريخ رحلته عن هذا العالم هما التاريخان الوحيدان اللذان يمكن التيقن منهما في سيرة حياته . ان ما في حياة ملا صدرا من جمال وجلال ليس في الظروف والأوضاع الخارجية ، بل أن العوامل الخارجية لم يكن لها في حياته الا دور مقلق نتاجه الاضطراب وعدم الاستقرار ، ولم تيسر له حياة رافهة مجللة . ان ترجمة شخص مثل ملا صدرا تلتمس في الواقع في منحنيات حياته الباطنية ، في تطورات تفكيره وتأليف مصنفاته ، في تعاليمه وفي رابطته بتلاميذه الذين خلفوا بدورهم آثارا كانت تسمح لاستاذهم ان يفتخر بها . في حياة صدر الدين ثلاث مراحل واضحة يمكن تمييز كل منها من سواها . كان أبوه وهو من المرموقين على حال من اليسار تمكنه من أن يوفر لابنه كل ما تتطلبه تربيته وتعليمه ، كما أن الابن بما كان له من نبوغ واستعداد فكري وصفات خلقية وهب نفسه كذلك لهذه التعاليم . ولم تكن أصفهان في هذه الفترة عاصمة الصوفيين السياسية فحسب ، بل كانت تعد كذلك مركز الحياة العلمية في إيران ، فقد كانت مدارسها - التي لا يزال بعضها مستمرا حتى اليوم - في أوج فعاليتها ، وكان أكبر العلماء قد اجتمعوا فيها وقد شملت تعاليمهم مختلف شعب العلوم والمعارف ، لذا كان طبيعيا أن يترك صدر الدين موطنه الأصلي شيراز وأن يؤم أصفهان ليكمل فيها مرحلة تحصيله . وهنا يجب ان لا نقيس المرحلة الدراسية في ذلك الزمان ببرامج الجامعات الحديثة حيث يمكن بعد بضع سنوات الحصول على الليسانس والدكتوراه ، لان مرحلة درس ما ، كانت تستغرق قسما كبيرا من عمر الإنسان ، بل لعلها كانت تقتضي أن يصرف المرء على بعض العلوم التي يؤمل ان يتعمق فيها عمره كله . ان مرتبة الاجتهاد كانت تحتاج إلى عشرين سنة على الأقل . كان لصدر الدين في أصفهان ثلاثة معلمين احتلت أسماؤهم مكانا وشهرة في تاريخ إيران الفكري والمعنوي . ففي المرحلة الأولى درس ملا صدرا على الشيخ بهاء الدين العاملي ( الذي يدعى عادة الشيخ البهائي ووفاته 1030 ) العلوم الإسلامية النقلية كالتفسير والحديث عند الشيعة والفقه وسواها حتى اجازه فيها . وكان الشيخ البهائي يظهر طوال حياته صداقة ومودة بالغتين نحو مير داماد ( توفي 1040 ) الأستاذ الذي سبقت الإشارة اليه في مقدمة هذه المقالة ، والذي كان تلاميذه يدعونه المعلم الثالث بعد أرسطو المعلم الأول والفارابي المعلم الثاني ( 5 ) - والذي كان يرى - كالسهروردي - ان الفلسفة التي لا تؤدي إلى كشف معنوي وتحليل عرفاني انما هي عبث وجهد مضيع . مير داماد هذا هو الذي كان موجه ملا صدرا في فترة تحصيله وأستاذه في الفلسفة النظرية . ثم إن صدر الدين - مع أن الشواهد على هذا الأمر ليست دقيقة تماما - كان تلميذا لشخصية عجيبة غير عادية هي شخصية « مير أبو القاسم فندرسكي » . ففي هذا الوقت من الزمن كان التنقل بين إيران والهند متواصلا ساعد عليه وسهل منه اصلاحات « أكبر » ( 6 ) الدينية ، وكان الفلاسفة الإيرانيون ، وبخاصة منهم اتباع مدرسة السهروردي الاشراقية ، كثيرين في بلاط أكبر ، ولقد كان لمير أبو القاسم فندرسكي دور فعال في حركة ترجمة المتون السانسكريتية إلى الفارسية التي كانت لها أهمية كبرى من الناحية الثقافية ، وبواسطة هذه الترجمات بدأ المذهب الهندوكي يتكلم بلغة
--> ( 1 ) رسالة سه أصل ، بانضمام منتخب مثنوي ورباعيات صدر الدين شيرازي ، بتصحيح واهتمام دكتر سيد حسين نصر ، طهران 1340 . ( 2 ) كسر أصنام الجاهلية ، به تصحيح ومقدمة آقاى محمد تقي دانش بجوه ، طهران 1340 . ( 3 ) الترجمات الفارسية لكتاب المشاعر وكتاب الحكمة العرشية ، بقلم السيد غلام حسين آهني ، أصفهان 1340 و 1341 ، ولها في الغالب طابع التفسير . ( 4 ) كتاب المشاعر ، المتن العربي والترجمة الفارسية مع ترجمة فرنسية ومقدمة من السيد هنري كوربان ، طهران 1342 ، ان هذا الكتاب الهام الذي يضم أفكار ملا صدرا في موضوع الوجود شرح عدة مرات ، وقد صحح السيد جلال الدين الآشتياني شرح ملا جعفر لنكرودي وسينشره قريبا . راجع بشأن المراجع باللغة الفرنسية الصفحات التي ترجمها السيد هنري كوربان عن كتاب الحكمة العرشية في : 1961 La terre CelestE eT Corps de resurrection de Liran Mazdeen Z Iran shiite Paris . المقرر ان تنشر في كراس ذكرى ملا صدرا الذي سينشره المجمع الإيراني في كلكتا . راجع بشأن شرح أصول الكافي تقرير السيد كوربان ( سنة 1952 - 1963 ) في : . Annuaire de IEcule pratique des Hautes - Hautes - Hautes - Etudes - Section des Scie - nces religieuses . ( 5 ) راجع مقالة السيد كوربان في ConfessionS exactiques de MiR Damad maitre de theologie A Ispan Melanges Louis Massgon Vol I Domas . ( 6 ) راجع ترجمة محمد أكبر في المجلد العاشر من ( أعيان الشيعة ) .